محمد جواد مغنية

143

في ظلال نهج البلاغة

لم يكن موجودا بنفسه احتاج إلى سبب ، وهكذا إلى ما لا نهاية ( وغنى كل فقير ) . كل من احتاج إلى شيء فهو فقير حتى ولو كان هذا الشيء شربة ماء أو نسمة هواء ، ومعنى ذلك ان كل كائن - ما عدا اللَّه - فهو فقير لا غنى له عن خلق اللَّه ونعمه وان ملك الدنيا بكاملها ، ولذا قال الإمام ( ع ) : لا نملك مع اللَّه شيئا إلا ما ملكنا . ( وعز كل ذليل ، وقوة كل ضعيف ) اي ان الذليل يصير عزيزا ، والضعيف قويا إذا استقام على طريق الهدى ( ومفزع كل ملهوف ) . إلى أين يذهب المضطر إذا يئس من الأرض وأهلها . . أبدا لا سبيل له - مؤمنا كان أم جاحدا - إلا واحد من اثنين : الانتحار أو اللجوء إلى السماء ، إلى اللَّه تعالى الذي يمنح القوة والخلاص من الشدائد والآفات . . ومن هنا رأينا الجاحدين بألسنتهم يفزعون إلى اللَّه وحده عند النوائب والنوازل : * ( « وما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ ) * - 53 النحل » اي ترفعون إلى اللَّه أصواتكم بالدعاء . ( من تكلم - إلى - منقلبه ) انه تعالى يعلم السر وأخفى ، ويقبض عمن يشاء ويبسط ، واليه المصير ( لم ترك العيون فتخبر عنك ) . الخطاب للَّه سبحانه ، وإذا امتنع بذاته عن العيون تؤمن به العقول وثبت وجوده بالخلق والآثار ، وتقدم مثله مع الشرح في الخطبة 49 وغيرها ( بل كنت قبل الواصفين من خلقك ) . كان اللَّه ، ولم يكن معه شيء ، واذن فمن الذي يخبر عن وجوده والى من . وفي الحديث القدسي : « خلقت الخلق لكي أعرف » ( ولم تخلق الخلق لوحشة ) كيف يحتاج إلى الأنيس والجليس ، وهو غني بذاته عن كل شيء ، وكامل من كل وجه ( ولا استعملتهم لمنفعة ) . خلق سبحانه ما خلق ومن خلق ، لا ليدفع به ضرا ، أو ليجلب نفعا ، كيف وهو سبحانه مصدر المنافع كلها ، وما من مخلوق يستطيع الوجود لحظة واحدة إلا بفضله وعنايته ، ومن يعمل عملا لوجهه تعالى يدخره عند اللَّه ليوم فقره وفاقته . ( ولا يسبقك من طلبت ) أين المفر والإله الطالب . ( ولا يفلتك من أخذت ) . وتسأل : كل شيء في قبضته تعالى ، وآخذ بناصيته ، وإذن فما معنى « من أخذت » وهل فاته شيء ثم أخذه . الجواب : المراد من « لا يفلتك » لا يفوتك من حاول الهرب منك ، وتقدم في الخطبة